الشيخ عبد الغني النابلسي

67

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

يفهمه ، أي سر التقدير اللّه تعالى لأحد من الناس إلا من اختصه ، أي اللّه تعالى بالمعرفة التامة به سبحانه ، فيعلم ذلك العارف الذي اعتنى به الحق تعالى فعرف أنه تعالى قدر على الأشياء وألزمها في الأزل بعين ما هي ثابتة من أحوالها في علمه تعالى الأزلي حال عدمها الأصلي ، ثم إنه تعالى يوجد كل شيء منها في وقته المخصوص به في ثبوت عينه وحاله المخصوص كذلك ، فكأنه تعالى أوجد الأشياء بجميع ما هي عليه في أعيانها العدمية ، فقدر عليها وألزمها بما هي عليه ، وبسبب ذلك كان التوجه منه تعالى عليها من الأزل إلى الأبد ، فانصبغت بوجوده وهي على ما هي عليه من عدمها الأصلي ، فجاء التعريف الإلهي بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] وقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 26 - 27 ] . وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان » « 1 » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 2 » ، فعرف من عرف وجهل من جهل . فالعلم به ، أي بسر القدر الإلهي يعطي الراحة ، أي عدم التعب الكلية من حيث الظاهر والباطن للعالم به ، أي بسر القدر في بعض الأوقات لحال يقتضيه ، لأنه يرفع من العارف حكم الخوف والرجاء ويقتضي الإلزام بحال واحد لا يتغير فيه العبد مع اللّه تعالى ، لقطعه بما هو كائن لا محالة ، سواء علم عين ما يكون أو لم يعلم ، ولا يقبل العالم به الراحة الكلية إلا إذا كانت ثابتة في عينه العدمية ، فتظهر عليه في حالة إيجاده . ويعطي أيضا ، أي العلم بسر القدر العذاب الأليم للعالم به أيضا في بعض الأوقات إذا كان ذلك ثابتا في عينه العدمية ، فيظهر منه كذلك في حالة وجوده بكمال الضجر والتألم أن يكون قد اقتضى ذلك ثبوت شر في عينه ، فيظهر في كونه وإن كان معصوما لعلمه بالعدل الإلهي ، حتى قيل إن إبراهيم الخليل عليه السلام كان يخفق قلبه في صدره حتى تسمع قعقعة عظامه من نحو ميل من شدة خوفه ، وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم يسمع لصدره أزير كأزير المرجل ، أي القدر على النار وهو من باب علمهم بسر القدر الإلهي في حال يقتضي منهم ذلك لثبوته في أعيانهم الأصلية . فهو ، أي العلم بسر القدر يعطي النقيضين ، أي الراحة والتعب للعالم به

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها : باب ما يجوز من الشعر . . ، حديث رقم ( 5795 ) [ 5 / 2276 ] ومسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، حديث رقم ( 2256 ) [ 4 / 1768 ] ورواه غيرهما .